السيد الطباطبائي
361
تفسير الميزان
وفيه الجزائر الخالدات التي كانت مبدء الطول سابقا ثم غرقت . وقرئ " في عين حامية أي حارة وينطبق على النقاط القريبة من خط الاستواء من المحيط الغربي المجاورة لإفريقية ولعل ذا القرنين في رحلته الغربية بلغ سواحل إفريقية . قوله تعالى : " قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا " القول المنسوب إليه تعالى في القرآن يستعمل في الوحي النبوي وفي الابلاغ بواسطة الوحي كقوله تعالى : " وقلنا يا آدم أسكن " البقرة : 35 وقوله : " وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية " البقرة : 58 ، ويستعمل في الالهام الذي ليس من النبوة كقوله " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه " القصص " 7 . وبه يظهر أن قوله : " قلنا يا ذا القرنين " الخ لا يدل على كونه نبيا يوحى إليه لكون قوله تعالى أعم من الوحي المختص بالنبوة ولا يخلو قوله ثم يرد إلى ربه فيعذبه " الخ حيث أورد في سياق الغيبة بالنسبة إليه تعالى من إشعار بأن مكالمته كانت بتوسط نبي كان معه فملكه نظير ملك طالوت في بني إسرائيل بإشارة من نبيهم وهدايته . وقوله : " إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا " أي إما أن تعذب هؤلاء القوم وإما أن تتخذ فيهم أمرا ذا حسن ، فحسنا مصدر بمعنى الفاعل قائم مقام موصوفه أو هو وصف للمبالغة ، وقد قيل : إن في مقابلة العذاب باتخاذ الحسن إيماء إلى ترجيحه والكلام ترديد خبري بداعي الإباحة فهو إنشاء في صورة الاخبار ، والمعنى لك أن تعذبهم ولك أن تعفو عنهم كما قيل ، لكن الظاهر أنه استخبار عما سيفعله بهم من سياسة أو عفو ، وهو الأوفق بسياق الجواب المشتمل على التفصيل بالتعذيب والاحسان " أما من ظلم فسوف نعذبه " الخ إذ لو كان قوله : " إما أن تعذب " الخ حكما تخييريا لكان قوله : " أما من ظلم " الخ تقريرا له وإيذانا بالقبول ولا كثير فائدة فيه . ومحصل المعنى استخبرناه ماذا تريد أن تفعل بهم من العذاب والاحسان وقد غلبتهم واستوليت عليهم ؟ فقال : نعذب الظالم ؟ منهم ثم يرد إلى ربه فيعذبه العذاب النكر ، ونحسن إلى المؤمن الصالح ونكلفه بما فيه يسر . ولم يذكر المفعول في قوله : " إما أن تعذب " بخلاف قوله : " إما أن تتخذ فيهم حسنا " لان جميعهم لم يكونوا ظالمين ، وليس من الجائز تعميم العذاب لقوم هذا شأنهم